محمد بن جرير الطبري
140
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال : معنى قوله : " ولا فسوق " النهي عن معصية الله في إصابة الصيد ، وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه . وذلك أن الله جل ثناؤه قال : " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق " ، يعني بذلك : فلا يرفث ، ولا يفسق ، أي لا يفعل ما نهاه الله عن فعله في حال إحرامه ، ولا يخرج عن طاعة الله في إحرامه . وقد علمنا أن الله جل ثناؤه قد حرم معاصيه على كل أحد ، محرما كان أو غير محرم ، وكذلك حرم التنابز بالألقاب في حال الإحرام وغيرها بقوله : ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) [ الحجرات : 11 ] وحرم على المسلم سباب أخيه في كل حال ، فرض الحج أو لم يفرضه . فإذ كان ذلك كذلك ، فلا شك أن الذي نهى الله عنه العبد من الفسوق في حال إحرامه وفرضه الحج ، هو ما لم يكن فسوقا في حال إحلاله وقبل إحرامه بحجه ، كما أن " الرفث " الذي نهاه عنه في حال فرضه الحج ، هو الذي كان له مطلقا قبل إحرامه . لأنه لا معنى لأن يقال فيما قد حرم الله على خلقه في كل الأحوال : " لا يفعلن أحدكم في حال الإحرام ما هو حرام عليه فعله في كل حال " . لأن خصوص حال الإحرام به لا وجه له ، وقد عم به جميع الأحوال من الإحلال والإحرام . فإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الذي نهى عنه المحرم من " الفسوق " فخص به حال إحرامه ، وقيل له : " إذا فرضت الحج فلا تفعله " ، هو الذي كان له مطلقا قبل حال فرضه الحج ، وذلك هو ما وصفنا وذكرنا أن الله جل ثناؤه خص بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه مما نهاه عنه : من الطيب ، واللباس ، والحلق ، وقص الأظفار ، وقتل الصيد ، وسائر ما خص الله بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه . * * *